اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

140

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

ويجب قبل كل شئ ملاحظة أن القصة قد وصلت إلينا في رواية جديرة بالثقة ، فابن خرداذبه يرويها لنا بألفاظ سلام نفسه 159 ويؤكد في آخر روايته 160 أنه قد سمعها في بداية الأمر من سلام ثم أمليت عليه من التقرير الذي رفعه سلام إلى الخليفة 161 . ومما يدعم صحة هذه الرواية قول المقدسي عن ابن خرداذبه بصدد هذا : « لأنه كان وزير الخليفة وأقدر على ودائع علوم خزانة أمير المؤمنين » ، هذا إلى جانب أنه قد سمعها مباشرة من صاحبها 162 . وقد نالت القصة انتشارا واسعا في الأدب الجغرافي العربي ورواها الجغرافيون المتقدمون والمتأخرون مع تفاوت في التفاصيل ، مثل ابن رسته 163 وياقوت 164 وأبى حامد - - الغرناطي والإدريسى 165 والقزويني 166 والنويري 167 وغيرهم . وحفظ لنا الإدريسى بضعة تفاصيل منها وجدت على ما يظهر في المسودة الأصلية لابن خرداذبه 168 التي لم تصل إلينا ، وسقطت من موجز كتابه الموجود بين أيدينا الآن . وكان الدافع إلى إرسال هذه السفارة دافعا خياليا بحتا كنفس الدافع الذي جعل الخليفة يبعث محمد بن موسى الفلكي ليستقصى خبر أهل الكهف . فقد تراءى للخليفة في المنام كأنما انفتح السد الذي بناه الإسكندر ذو القرنين ليحول دون تسرب يأجوج ومأجوج ؛ ولعل هذا الحلم المزعج قد سببته للخليفة الشائعات عن تحرك القبائل التركية في أواسط آسيا نتيجة لقضاء القرغيز على دولة الأويغور حوالي عام 840 . هذا وإذا طرحنا جانبا كل التفاصيل نجد أن خط سير سلام 169 قد اتجه شمالا خلال أرمينيا وجورجيا ( بلاد الكرج ) إلى بلاد الخزر ، ثم اتجه من هناك شرقا إلى بحر قزوين فوصل إلى بحيرة بلقاش Balkash وجنغاريا Zhungaria ، وعاد من هناك إلى سامرا بالعراق مارا في طريقه على بخارى وخراسان . وهو بلا شك قد أبصر سد القوقاز المشهور عند دربند 170 ؛ ومن ناحية أخرى فإن من الممكن جدا أن يكون قد بلغ سور الصين العظيم كما أثبت ذلك دىخويه 171 . ويمكن تفسير الخلط في وصفه للحائطين بأن عصر الخوارزمي ، معاصر سلام ، قد عرف روايتين عن سدى ذي القرنين إحداهما تضعه في الشرق والأخرى في الشمال 172 . ومن المحتمل جدا أن سلاما قد حاول إلى جانب تسجيل انطباعاته المباشرة أن يردد أيضا وفي قالب أدبى الرواية الموجودة في القرآن 173 عن سد يأجوج ومأجوج . ومن المستحيل بالطبع تحديد ميدان تجواله بالمنطقة الواقعة بين القريم والأورال كما فعل منذ عهد غير بعيد العالم الهنغارى زيتشى Zichy 174 الذي أبصر في السد ممرا من ممرات جبال الأورال حصنته البلغار 175 . وأحد كبار العلماء المحدثين وهو خبير في الجغرافيا التاريخية لأوروبا الشرقية وآسيا الوسطى يختتم كلامه عن سلام بقوله : « لا يوجد أدنى شك في أن سلاما قام في حوالي عام 842 - 843 مرحلة عبر فيها القوقاز ، وأرض الخزر متجها صوب الشرق ، ثم مر في طريقه على برسخان وطراز ( تالاس ) وسمرقند راجعا إلى خراسان ؛ وهو قد أبصر بالفعل في هذه الرحلة - - حائطا أو ممرا جبليا يشبه الحائط » 176 . وبهذا يمكن القول بأن سلاما قد ظفر أخيرا ببعض الثقة لدى الدوائر العلمية .